الشنقيطي
293
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وهذا المعنى الّذي ذكر اللّه جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : بيّنه أيضا في غير هذا الموضع ؛ كقوله : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ ( 5 ) وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ ( 6 ) [ الأحقاف : 5 - 6 ] ، وقوله تعالى : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ( 13 ) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ( 14 ) [ فاطر : 13 - 14 ] إلى غير ذلك من الآيات . وضمير الفاعل في قوله : سَيَكْفُرُونَ فيه وجهان للعلماء ، وكلاهما يشهد له قرآن ؛ إلّا أنّ لأحدهما قرينة ترجّحه على الآخر . الأوّل - أنّ واو الفاعل في قوله : سَيَكْفُرُونَ راجعة إلى المعبودات الّتي كانوا يعبدونها من دون اللّه . أمّا العاقل منها فلا إشكال فيه . وأما غير العاقل باللّه قادر على أن يخلق له إدراكا يخاطب به من من عبده ويكفر به بعبادته إياه . ويدلّ لهذا الوجه قوله تعالى عنهم : تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ ( 63 ) [ القصص : 63 ] ، وقوله تعالى : وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ ( 86 ) [ النحل : 86 ] وقوله تعالى : وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ ( 28 ) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ ( 29 ) [ يونس : 28 - 29 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . الوجه الثّاني - أنّ العابدين هم الّذين يكفرون بعبادتهم شركاءهم وينكرونها ويدلّ لهذا الوجه قوله تعالى : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ( 23 ) [ الأنعام : 23 ] ، وقوله عنهم : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ( 23 ) ، وقوله عنهم : بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً [ غافر : 74 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . والقرينة المرجّحة للوجه الأوّل - أنّ الضّمير في قوله وَيَكُونُونَ راجع للمعبودات ؛ وعليه فرجوع الضّمير في يَكْفُرُونَ * للمعبودات أظهر ؛ لانسجام الضّمائر بعضها مع بعض . أمّا على القول الثّاني - فإنّه يكون ضمير يَكْفُرُونَ * للعابدين ، وضمير يَكُونُونَ للمعبودين ، وتفريق الضّمائر خلاف الظّاهر . والعلم عند اللّه تعالى . وقوله من قال من العلماء . إنّ كَلَّا في هذه الآية متعلّقة بما بعدها لا بما قبلها ، وأنّ المعنى : كلّا سيكفرون أي حقّا سيكفرون بعبادتهم محتمل ، ولكنّ الأوّل أظهر منه وأرجح ، وقائله أكثر . والعلم عند اللّه تعالى ، وفي قوله كَلَّا قراءات شاذّة تركنا الكلام عليها لشذوذها .